wrapper

التلاتاء 18 دجنبر 2018

aps facebook     aps twitter

مختصرات :

عبد الكريم ساورة

 

 ونحن نتبادل أطراف الحديث، حول خاصية " النِيَةَ " هذه العملة النقية التي لم يعد يؤمن بها المغاربة في تعاملاتهم، وبدأت تنقرض بشكل نهائي وذلك لعدة أسباب،أهمها فقدان الثقة بين الجميع، حكى لي حارس ليلي بإحدى الإدارات، أن رجلا يدعى الطيبي، يتجاوز الستين عاما من عمره، كان يشتغل جنديا وكان بطبعه رجلا مسالما ومعروف أنه " نية بزاف "، وكان يتقن فن الطبخ وهو مادفع المسؤولين للإحتفاظ به في إعداد الوجبات لفائدتهم طول الفترة التي قضاها بالجندية .

 

وكان كلما دخل في المساء على أحد مساعديه في الطبخ في ركن من المطبخ وجده يقرأ القرآن وبالضبط سورة " ياسين " فاستغرب الرجل وسأله بعفويته المعتادة: أليست هناك سورا أخرى في القرآن يمكنك قراءتها ؟ فأجاب الرجل أن هذه السورة تحفظ كل من قرأها من كل سوء ومكروه طيلة النهار حسب ما سمعه من أحد المقربين له، وبما أن هؤلاء الجنود كانوا على الحدود وقد يتعرضون للهجوم في كل لحظة، وقد يتم قتلهم أو احتجازهم فهو يتسلح بهذه السورة لكي تحميه وتصونه من غدر البنادق وغدر الأصدقاء.

ومنذ تلك اللحظة قرر الطيبي الإدمان على هذه السورة كل صباح، حتى وقد غادر الثكنات العسكرية وأصبح يقضي معظم وقته في المنزل رفقة أولاده، وفي أحد الأيام وهو عائد من زيارة لأخته التي قامت بعملية جراحية في العين، وهي تسكن بإحدى الأرياف القريبة من المدينة، وقد فكر الطيبي أن يختصر الطريق عليه بعد أن لاح الظلام، فمر بإحدى الطرق والتي تنعدم فيها الإنارة والمارة ، فاعترض سبيله خمسة أفراد مدججين بأسلحة بيضاء، كانوا يقارعون الخمر، فطلبوا محفظته وهددوه بنزع ملابسه وضربه ضربا مبرحا لأنهم اعتبروا الأمر نوعا من التحدي لهم ودخوله " لحدودهم " المرسومة سالفا.

أصيب الطيبي بالذعر ولم يصدق الأمر، فهذه أول مرة يعيش هذا الموقف بعد كل هذا العمر، ومن شدة المفاجأة بدأ يتمتم ويردد كلاما مع نفسه، وبعد دقائق بدأ يرفع صوته شيئا فشيئا فكان يقول : " ياك أخويا ياسين، قلت لي لن يصيبك سوء أو مكروه، فأدمنت على قراءتك، هل نسيت عهدك لي ووعدك لي، ياك ياخويا ياسين.... وهو يردد هذه الكلمات بدأ الجميع يضحكون ويتهامسون فيما بينهم وقال أحدهم : هذا الرجل إما سكران أو مجنون أو مصاب بعاهة معينة، فصرخ رئيسهم ممددا قرب شجرة  بصوت عال وهو يحمل قنينة خمر: أيها الجهلة ألا تسمعون أن الرجل كان ينطق إسمي " ياسين " أكثر من مرة، فهو مائة في المائة كان صديقا لي أيام الطفولة، فأخرج ورقة نقدية وطلب منهم تسليمها له وتركه يذهب إلى حال سبيله.

ربما قد تكون القصة مفبركة ولا تحمل أي قدر من الحقيقة من أجل دفع الناس على قراءة سورة ياسين، لكن الرجل صدق مفعولها الايجابي وسحرها غير المحدود ولم يضع في رأسه يوما أن يكون ماسمعه عنها من خوارق قد يكون كذبا، بل  تشبث بها حتى أخر نفس وكان يذكر " سورة ياسين " بذكره " خويا ياسين " كنوع من القرابة الدموية، إنه الالتصاق بالشيء والايمان به إلى أخر رمق، إنه الاعتقاد الراسخ للرجل الذي كان يعتقد صادقا أن خلاصه الأول والأخير في هذه السورة المنقذة من كل شرور العالم وقد تحقق له الأمر في النهاية والخروج منتصرا من كارثة حقيقية. قال لي الحارس وهو يضحك : " نيتو غلْبَتْ "  فأجبته : ربما، إنما الإعمال بالنيات ، لكن ياصديقي من سيصدقك في هذا الحكي الأسطوري......ابتسم وهم بمغادرتي وهو يقول لي : أنا ذاهب عند خويا ياسين...

في كتاب بعنوان " العرب...وجهة نظر يابانية " للكاتب " نوبوأكي نوتوهارا " الذي قضى أربعين سنة يدرس اللغة العربية بالجامعات اليابانية تحدث فيه عن العرب وسلوكياتهم الغريبة وهي كثيرة قام بتفصيلها وتحليلها ومن بين ما أثار انتباهه في علاقته بالعرب تحدث عن صديق له كان له علاقة متينة به وقال عنه أنه كان يقرأ القرآن يوميا قرابة عشرين عاما ولم تتغير أحواله أبدا، لم يعط الكاتب أسبابا لذلك، لكن يبدو أن الرجل ربما كان يقرأ القرآن ويعتقد أنه سيغير من حاله دون الأخد بالأسباب، وهو الاعتقاد السائد لدى العديد من المسلمين، أن التغيير يمكن أن يسقط من السماء دون صناعته.

مايجمع المثالين هو الاعتقاد الراسخ " والنية الكاملة " بشيء ما إلى حدود التماهي " وهو المعجزة القرآنية " في المثال الأول فالرجل كان طباخا ماهرا وكان رجلا مؤمنا بهذه المعجزة وفي نفس الوقت كان يحرص على العمل وإتقانه وكان مخلصا له وكان يفصل فصلا تاما بين الإخلاص في العمل والاعتماد عليه لأنه مصدر العيش، بينما سورة ياسين فهي حجاب له ووقاء من شرور الخلق، بمعنى أن الرجل كان يستعين بالخالق ليحفظه من شرور خلقه. بينما المثال الثاني ربما كان يستعين بمعجزة القرآن بتغيير أحواله وقد نسي شرطا جوهريا هو الكد والعمل والمنافسة مع بقية جنسه، وظل ينتظر الفرج قرابة عشرين عاما ونسي أن قراءة القرن هو مجرد تدريب على الروح أن تظل لصيقة بخالقها المتعال. 

إن المثال الثاني هو ترجمة حقيقية لما يعيشه العرب والمسلمين، اعتقادا منهم أن تغيير أحوالهم وتحقيق العدالة و الديمقراطية سوف يتحقق بالدعاء ليل نهار وبقراءة القرآن، والدعاء بالويل والثبور للأعداء والحكام، ولأصحاب القرار، والحق أن التدين هو صلتك بالله ومخافة مقامه في السر والعلن، ولكن شؤون الدنيا هو شأن مرتبط بفهمك لما يدور من حولك والتفاعل معه بشكل ايجابي وبموقف حازم ومسؤول.

لا أحد يمكنه تسفيه معجزة القرآن ودوره التنويري والأخلاقي، لكن القرآن وحده لايكفي، فهو يحتاج إلى مجتمع يفهم لغة هذا القرآن وأسراره الكبيرة ومقاصده المتوهجة، كما يحتاج إلى مجتمع يعرف ماذا يريد، ماذا يقدم وماذا يؤخر؟  مجتمع ناضج، يؤمن بقضيته، بحقوقه، بكرامته، بمستقبله، مجتمع يجعل المعرفة ضمن أولوياته يكون فيها القرآن مرجعا للبحث عن الحرية وليس للعبودية البكماء.

كاتب وباحث مغربي

ــــــــــــــ

طالعوا الصفحة الإجتماعية للصحيفة و اشتركوا فيها إن كنتم من ناصري الكلمة الحرة و العدل:

: https://www.facebook.com/khelfaoui2/

@elfaycalnews

instagram: journalelfaycal

ـ  أو تبرعوا لفائدة الصحيفة من أجل استمرارها من خلال موقعها

www.elfaycal.com

- Pour visiter notre page FB,et s'abonner si vous faites partie des défendeurs de la liberté d'expression et la justice  cliquez sur ce lien: : https://www.facebook.com/khelfaoui2/

To visit our FB page, and subscribe if you are one of the defendants of freedom of expression and justice click on this link:  https://www.facebook.com/khelfaoui2/

Ou vous faites  un don pour aider notre continuité en allant  sur le site : www.elfaycal.com

Or you donate to help our continuity by going to the site:www.elfaycal.com

آخر تعديل على الإثنين, 03 كانون1/ديسمبر 2018

وسائط

أعمدة الفيصل

حولنا

‫"‬ الفيصل‫"‬ ‫:‬ صحيفة دولية مزدوجة اللغة ‫(‬ عربي و فرنسي‫)‬ ‫..‬ وجودها معتمد على تفاعلكم  و تعاطيكم مع المشروع النبيل  في إطار حرية التعبير و تعميم المعلومة‫..‬ لمن يؤمن بمشروع راق و هادف ‫..‬ فنرحبُ بتبرعاتكم لمالية لتكبير و تحسين إمكانيات الصحيفة لتصبح منبرا له مكانته على الساحة الإعلامية‫.‬

‎لكل استفسارتكم و راسلوا الإدارة 

القائمة البريدية

إنضم إلى القائمة البريدية لتستقبل أحدث الأخبار

Faire un don

Vous pouvez aider votre journal et défendre la liberté d'expression, en faisant un don de libre choix: par cartes bancaires ou Paypal, en cliquant sur le lien de votre choix :