wrapper

التلاتاء 12 دجنبر 2017

aps facebook     aps twitter

مختصرات :

 *بقلم: بغيبغ مريم| الجزائر.



عن القصّة القصيرة جدّا: لا تقوم القصّة القصيرة جدّا على سرد قديم، ولا عن حكي مألوف وإنّما برزت كمخلوق ثقافي حداثي ارتبط بالتاريخ والمجتمع، وأنشأ ادراكه الجمالي وفق تصور لإنتاج معايير جديدة لمقاييس جودته. لقد استمدّ هذا الجنس الأدبي مشروعيته من خلال أبعاد مستويات حدوده المعجمية

(القصّة القصيرة جدّا)، يمتاز بقصر الحجم والإيماء المكثّف ،والانتقاء الدقيق ووحدة المقطع ،والنّزعة القصصية الموجزة والمقصديّة الرّمزيّة المباشرة وغير المباشرة والتّلميح والاقتضاب والتّجريب واستعمال الجمل القصيرة الموسومة بالحركيّة والانفعال والتّوتّر وتأزّم المواقف والأحداث بالإضافة إلى سمات الحذف والإختزال والإضمار، ولقد حاولت اللسانيات منذ كتاب "محاضرات في اللسانيات العامة "لفرديناند ديسوسير" ترصّد الدلالات التّي يوظّفها النّص ، فالنّص يحاول دائما الكشف عن طبيعة انتظامها وهذا ما يسمح للسانيات بإثراء قوانينها وتقديم ما يدعمها من أمثلة تطبيقية توفّرها النّصوص: السّؤال المطروح: هل ستساهم نصوص القصّة القصيرة جدّا في إثراء قوانين اللسانيات؟

***

عن نصوص القاص " سعيد أحمد" القصصية القصيرة جدّا : إنّ القصّة القصيرة جدّا تجاوزت مرحلة العفوية والتلقائية، ونحن نطالع قصص الكاتب والأديب الطّبيب السّوري "أحمد سعيد " نحسّ أنّ لدى صاحبها وعي بقضيّة التّجنيس، ووعيه بقضايا الرّاهن والاستفادة من التّجريب والمثاقفة والفانتاستيك والشّاعريّة والتّناص وغيرها للتّعبير عن مواضيع متعدّدة بتكثيف واقتصاد دلالي، فتعدّدت عناوين قصصه بتعدّد كلّ ذلك فعانقت عناوينه الواقع والخيال: حقيقة، شرنقة، غسق، لقاء، إيحاء، مسار، أمل، عائد، خصام، محاكمة، فسيفساء، بوصلة، غربة، لص، تأبّط شرّا، تهور، قرابين، شرعيّة، سيرك، طروادة، والعديد العديد من القصص فالكاتب غزير الإنتاج، تتميّز نصوصه بقوّة الثيمة فلا يمكن لمتذوّق هذا الفنّ أن يمرّ على نصوصه مرور الكرام، دون أن يقف موقف المتأمّل فيها...ومن بين نصوصه المبهرة المكتنزة الدلالة نصّه "تجارة" الذي يتميّز بإستراتيجية الإدلال.

***

النّص/ تجارة: يطلق رصاصته الأخيرة. يخرجها الطّفل من رأسه مقهقها: ـــــ أعيدها إليك بقطعة خبز...يبحث القناص في جيبه الفارغ.

***

التّحليل: إن هذا النّص من النّاحية الشّكلية هو مجموعة من الجمل المتلاحقة، المتقطّعة، يحكمها الاتّساق والانتظام الدّاخلي، والقراءة الأوّلية تجعله في نظر المتلقّي العادي نصّا شكليا بسيطا، باعتبار وحداته اللسانية المتباعدة والتي جعلها النّص قريبة تخضع منطقيا لقانون لساني واحد، ولكنّ الصّعوبة تكمن في كيفية استجلاء دلالتها الخفية: فالتّجارة هي عملية البيع والشّراء...ولكن ما علاقتهابالطفل والقنّاص، والرّصاص والخبز؟ وللإقتراب من الدّلالة العميقة للنّص وجب الإقتراب من الأطروحات اللسانية العلمية والإبتعاد عن التحليل الانطباعي الذاتي الذي لا يحقّق الإقناع العقلي. ومنه فالنّص كما يفسّره "ديكرو" بمثابةاستراتيجية يخطّط لها المؤلّف بطريقة مخصوصة، وأنّ دلالته مبعثرة ضمن تمفصلات هذه الاستراتيجية، مما يجعل الوصول إليها يمرّ اجباريا عبر ممر تفكيك آليات هذه الإستراتيجيّة، ولملمة المادة الدّلالية المبثوثة داخلها... تقدّم لنا قصّة تجارة مشهدا واقعيا وغرائبيا في الوقت ذاته، يتحدد من خلال علاقات اجتماعية "علاقة الطفل/ بالقناص،علاقة الخبز/ بالرصاص، علاقة الحياة/ بالموت. نحسّ أنّ هناك صراع قائم بين كلّ هذه الثّنائيات وهو صراع إيديولوجيا تحدّد القصّة ملامحه من خلال: خاصّةً "القنّاص والطفل " يحتدم بينهما الصّراع، حول الحياة فالقناص أخطأ الهدف برصاصته الأخيرة حين استقرّت في رأس الطّفل ، والطفل بفعل الغرائبيّة وبراءته أخرجها وأراد أن يبادلها بقطعة خبز، ولا يهمّنا إن كان هذا القنّاصَ/ ارهابيا أو مسؤولا أو قائدا عسكريا بقدر ما تهمّنا الدلالة العميقة للنّص. "يطلق رصاصته الأخيرة " يبيّن هذا الملفوظ أنّ القنّاص مرادفا للموت فهو يطلق الرّصاص بشكل عشوائيّ، وهذا ما تدلّ عليه كلمة "أخيرة" وهذا لا يتماشى مع المبادئ العامة التّي تستثني النساء والأطفال في الحروب مثلا. "يخرجها الطّفل من رأسه مقهقها " يبيّن هذا الملفوظ البسيط في شكله العميق في معناه، الثّورة من أجل الخبز، والدّلالة "القهقهة" التّي صاحبته، حين أخرج الرّصاصة من رأسه، حيث خابت آمال القنّاص حين خاطبه الطّفل قائلا: ــــ أعيدها إليك بقطعة خبز" وهو بذلك يذكّره بإخفاقه إصابة الهدف، فكان له أن يحتفظ بالرّصاصة الأخيرة للعدوّ والمعارض، وليس للطّفل الجائع. وفي السّياق ذاته يطالبه بقطعة خبز، وهو يوقن بقهقهته أنّ من يمنح الموت لا يمكن له أن يمنح الحياة وهذا ما تؤكدّه "القفلة المفاجئة ": "يبحث القنّاصَ في جيبه الفارغ "، يمثّل هذا الملفوظ الخلاصة الفكرية والدّلالية التّي سعى الكاتب الفذّ "أحمد سعيد "إلى تحقيقها، فالتّجارة هي تجارة "الموت"، التّي أصبحت في الدّول العربيّة الكلّ يقتل في الكلّ، والضحيّة ذلك الطّفل البريء.

***

من خلال هذا التّحليل الدلالي الذي وقف على بؤرة النّص القصصي القصير جدا الذي يقوم على ثنائية "الحياة/ الموت ، نجد أنّ النّص يحمل دلالات مهمّة لا بدّ للمتلقّي أن لا يستهين بشكلها البسيط ، فللنّص دلالات قريبة تفهم من خلال السّياق العام، ودلالات عميقة يريد الكاتب أن يلفت انتباه القارئ الخبير إليها. 

***

ــــــــ

ـ طالعوا الصفحة الإجتماعية للصحيفة

https://www.facebook.com/khelfaoui2/

- Pour visiter notre page FB, cliquez sur ce lien:

 

آخر تعديل على الأحد, 10 كانون1/ديسمبر 2017
المزيد في هذه الفئة : « رسالة مودة. ‎كان يسكنني »

وسائط

أعمدة الفيصل

  • Prev

سبر الآراء - Sondage

ما رأيك في الموقع ؟ Votre avis sur le site web

حولنا

‫"‬ الفيصل‫"‬ ‫:‬ صحيفة دولية مزدوجة اللغة ‫(‬ عربي و فرنسي‫)‬ ‫..‬ وجودها معتمد على تفاعلكم  و تعاطيكم مع المشروع النبيل  في إطار حرية التعبير و تعميم المعلومة‫..‬ لمن يؤمن بمشروع راق و هادف ‫..‬ فنرحبُ بتبرعاتكم لمالية لتكبير و تحسين إمكانيات الصحيفة لتصبح منبرا له مكانته على الساحة الإعلامية‫.‬

‎لكل استفسارتكم و راسلوا الإدارة 

القائمة البريدية

إنضم إلى القائمة البريدية لتستقبل أحدث الأخبار

Faire un don

Vous pouvez aider votre journal et défendre la liberté d'expression, en faisant un don de libre choix: par cartes bancaires ou Paypal, en cliquant sur le lien de votre choix :