wrapper

الجمعة 16 نونبر 2018

aps facebook     aps twitter

مختصرات :

أ . د . عبد الجليل غزالة 

 

تذكير بمنشور الحلقة الأولى |  أوليات الموضوع:    هل استطاع  الروائي العراقي المعاصر مالك مجباس استعمال ( نحو سردي )  Narrative grammar وظيفي معياريstandard  ، يربط بين الجمل والمتواليات المسبوكة  تركيبيا  Syntactic cohesion والمحبوكة Semantic coherence دلاليا على طول صفحات وفصول عمله الموسوم ب ( الثقب الروحي ) ؟ كيف تم طرح ( عتبة الرواية ) ؟ هل تم ضبط ( المعجم الروائي ) بمعية بعض الأحداث المحورية بدقة ( الإرهاب ، داعش ، الجنس ، الأسطورة / الحكاية الشعبية ، واقع مدينة الموصل ، دور حزب البعث في تاريخ العراق الحديث ...)  ؟

ما رؤية المؤلف لبعض المعارف الفلسفية ، والنفسية ، والاجتماعية ، والفنية ، والتاريخية ، والجغرافية المبثوثة بين طيات الرواية ؟ كيف تم التعامل مع شخصية المؤلف ، والسارد ، والمتلقي العربي ؟ لماذا يستغل بعض رجال الدين الإسلام لقضاء مآربهم الشخصية ؟ ما علاقة مفهوم ( العود المعاش ) و ( سفر الروح ) بتقنيات السرد الروائي العربي الحديث والاستشرافي Futurist ؟ ما أهم سمات بعض الشخصيات المحورية ؛ الدكتور منقذ ، هيد ، ميرنا إلياس ، أناهيتا الأفغانية ، داليا الفيلسوفة ، زينب القديسة...؟ هل يحمل مالك مجباس بين جوانحه ( مشروعا روائيا ) مرصوص المكونات والعناصر ؟  كيف تتوزع الوظائف السردية عبر صفحات الرواية ؟ ما أهم سمات الصور الخيالية والواقعية عند هذا المبدع ؟

****

الوظائف السردية والدلالية في الرواية 

     تعانق الوظائف السردية Narrative functions دلالات نصوص رواية ( الثقب الروحي ) ، حيث يتم الاعتماد على عدة حكايات مدونة ينسج سداها سرد عربي محكم الخصائص الجمالية والفكرية والمقامية . تحدد هذه الوظائف أفعال وأدوار شخصيات الرواية ( منقذ ، هيد ، إسراء ، داليا ، المجنون ، آناهيتا ، مشتاق ، أبو علي ، حلا ، أم رقية ، ماريا، سنان ، أم يونس ، أم شيت ، شيماء، عائشة ، زينب ، غونير محمد ، لورا ، نور ، ميرنا ، سوهاج حرير ، كريم ، زهراء ، كفاح ، سليم ، كوازومي ، علا ، جلال ، علاء ، سارة ، حياة ، كرستين ، مراد ، صابرين ، جوليا الثلاثينية ...) ، وعواملها ولغتها الواصفة Metalanguage حسب اختصاصاتها وارتباطها بفضاء وحيز زمكاني محدد  .

     يهتم ( النموذج السردي الوظيفي ) عند مالك مجباس بأعمال وأفعال شخصيات الرواية ، وسارديها ، ولغتها الواصفة ، وعواملها المتنوعة في إطار تفاعل حبكة هذا العمل ومسار أحداثه

     تحوي الرواية عدة تجاذبات / تناص Intertextuality  ) نصية Textual gravitations  ( التاريخ ، الدين ، الأمثال ، الجنس ، الأدب ، الفن ، الأساطير السومرية ، سفر الروح ، القصص العجائبي ... ) ، كما يتجلى ذلك من خلال العينات التالية :

  _ (( لا نفع من التخبط بين مس الشياطين الذين يثيرون البلبلة والريبة في صدور المؤمنين ...

نرجال يا أيها البطل الصنديد ، يا ابْن بيليتالي ، فلْتفتح الآن ثقبًا في العالم الأسفل ، تستطيع منه روح إنكيدو الصعود من العالم الأسفل/ وعلى الفور فتح نرجال ثقبًا في العالم الأسفل ، فانسلَّت من خلاله روح إنكيدو وكأنّها الهواء ... )) ، ص 2 .

  _ (( ماندالا : كلمة سنسكريتية تعني الدائرة السحرية . وهي مجموعة رموز توحي إلى صورة الكون الميتافيزيقية . ( دائرة الكون ذات الشكل الرباعي التي تتضمن دائرة الإنسان ...

العَوْدُ المعاش : فكرة غامضة ، أن تعيش حيواتك المتتالية ـــ بمنطقية الوجود ــــ بلحظة زمنية واحدة ، فتمارس حيوات متوازية في عوالم متوازية ومرتبطة بِلحظةِ ( نقطة ) اللقاءِ الأزلية الــ  SH )) ، ص 4 .

  _ (( نيتشه أعلن ان الإله قد مات والدين شأن الرعاع ، عبّرَ عن تلك اللحظة بمهارة عبقرية ...)) ، ص 81 .

  _ (( إذا كان يقصد هذا فهو متناقض ومخطئ . خذ نصيحتي : ضاجع الفتيات بنَهم ، تحيا إلهًا بين البشر ؛ لأن الذي يحيا في الخيرات الخالدة لا يشبه الإنسان الفاني في شيء . والخيرات الخالدة تأتي من الإشباع المستمر ، وإشباع اللذة المستمر يأتي من المضاجعة المستمرة  )) . يقول المجنون مقتبسًا ومشوهًا أبيقور . ص  110.

  _ (( العالم محض تفكير ذهني ، نرسمه في أذهاننا فنبعثه على شكل واقع مَعيش )) ، ص 175 . 

 _  (( في الأسطورة البابلية :  في تلك الأزمان الأولى ، لم يكن سوى المياه )) ، ص  211.

 _  (( هكذا تكلم زرادشت : كتاب للجميع ولغير أحد )) ، ص 213 . 

 _ (( لزرع أعشاب اللذة باسم الله )) ، ص  226.

 _  (( فريدريش نيتشه ، هذا هو الإنسان، ترجمة : علي مصباح ، مع صورة لنيتشه بشاربيه الكثين المتهدلين حتى ذقنه )) ، ص 251 .

  _ (( بصوت كاظم الساهر: ماتتْ بمحرابِ عينيكِ ابتهالاتي ، واستسلمتْ لرياح اليأسِ راياتي/ جفتْ على بابكِ الموصودِ أزمنتي، ليلى ، وما أثمرتْ شيئًا نداءاتي )) 

، ص 257 . 

 _  (( لماذا طلبتَ الكِنزا رَبّا في ذاك اليوم ؟

 ... هو كتاب مقدس في الديانة المندائية كما تعرفين . عندما كنتُ صغيرًا ، تعلمتُ مبادئ وصلوات الدين المندائي ، كان جدي يأخذني معه ونذهب مع ياسين وأبيه في مناسباتهم ، تعلمتُ قراءة الكِنزا رَبّا وشيء من لغتهم الجميلة ، مارستُ العماد والصلاة ، تعرفتُ على أسطورة الخلق عندهم ، كما هو الحال في أساطير الخلق السومرية ومن ثم الإينوما إيليش الشهيرة والرائعة ...)) ، ص 265 .

  _  (( سآتي إليكِ ، إلى الآداب ، أسمع كلماتك ، همساتك ، أمسك أناملك ، سنحتفي بالثقب الروحي ، ونزور شجرة المعرفة ، أعدك ، أنا في طريقي إليكِ )) ، ص 289 .

  _  (( وها هي أرشكيجال تحاول اصطفاءه خليلًا لها !

    علّها تكون عودة عشتار ظافرة من الموت بإرجاع حبيبها القتيل تموز من عوالم الظلمات السفلية ؟ ! ، ولكن لات حين بهجة أو سعادة ! )) ، ص 294 .

  _ (( وهيد تقرأ في مسودة )) ، ص 295 .

  _ (( نضربه ونسلخ جلده ككبشٍ ، مثل جلجامش وإنكيدو حينما عاقبا الوحش خمبابا في غابةِ الأرز ، لكن هذا العجوز الهرمربما- مُحق في جهله للطريق

)) ، ص 308 .

       تقوم رواية ( الثقب الروحي ) على دعامتين سرديتين محوريتين :

    1 _    أحداث حكائية منسقة

    2 _    أفعال سردية ودلالية يتم نقلها إلى القارئ العربي

       لذلك ، فإن الوظائف السردية ترتبط عند مالك مجباس بأحداث الرواية وسلوك شخصياتها ، إذ يتم تحديد سير حبكة هذا العمل الروائي ، وتجسيد الذهنية البانية للنصوص المسرودة ، وربطها بالوعي الجماعي ، وأغراض أفراد ( مجتمع الثقب الروحي ) . 

     تقوم الوظائف السردية على وحدات تعد محورية في بناء اللغة الواصفة Metalanguage وأحداثها ، ومقاصدها ، ومنطقها . إنها تسلك نهجا قويما وقارا بالنسبة لأحداث الرواية ( 1  ) .

     يمكن توزيع هذه الوظائف حسب الدوافع والأفعال والتصرفات الموجهة للرواية التي تشكل جمهرة فاعلة تتعلق ب

     1  _   بالشخصيات المتنوعة .

     2  _   بالساردين وعمليات التجاذب النصي

     3  _   بالمساهمين في العمل / العوامل المشاركة .

     4  _   بالمنتجين  للنصوص .

      5 _   بالموضوع المحوري Topic .

      6  _  بالقارئ العربي

      7 _  بالحاجز / المانع

      8 _  بالتراكيب والدلالات المرصوصة ( توزيع الأحداث الصغرى ، إدماج سمات الشخصيات ... ) . 

     عالج فلادمير بروب هذه الوظائف السردية الثابتة والمتغيرة في عدة حكايات ونماذج شعبية ، وعدد منها إحدى وثلاثين وظيفة . وهي عبارة عن سمات وخصائص تكاد تكون متشابهة ومتكررة ، أو متقاربة الدلالات والمقاصد ضمن عدة حكايات عالمية (  2 ) . 

     يمكن أن نستنبط من خلال تتبعنا لفصول رواية ( الثقب الروحي ) بعض العناصر المماثلة لإنجاز فلادمير بروب ، والتي نوجزها في النقط التالية

1     _    غياب أو سفر الدكتور منقذ في بعض الأوقات .

2 _     وجود بعض الموانع والاعتراضات بين طيات أحداث الرواية .

3 _     ممارسة التحدي والتجاوز عند البطل .

4 _     الاستعلام وتسقط الأخبار .

5 _     بروز بعض المداهنة والرياء .

6 _     الوقوع في بعض الحبائل والتعرض للكيد .

7 _     ممارسة الدكتور منقذ لبعض الإصلاح والترميم والرضى ببعض الأمور

8  _    خضوعه أحيانا إلى بعض الاختبار .

9  _    استجابته لبعض المثيرات الخارجية .

10 _   استغلاله لعدة وسائل لحل بعض المشكلات .

11 _   وجود بعض المنازلات والمجابهات .

12 _   حضور الغلبة والنصر حسب كتاب موقوت .

13 _   اعتماد بعض التعويض لسد النقص .

14 _   وجود عودة للأشياء والموضوعات عند بطل ( الثقب الروحي ) .

15 _   تقصيه لبعض القضايا .

16 _   تقديمه العون والمدد لبعض المحيطين والحواريين

17  _  وجود تسلل ، أو عمل مضمر .

18  _  استغلاله أحيانا لبعض الزعم والادعاء لتبرير موقف معين .

19  _  مجابهته للصعاب وتضحيته في بعض الملمات .

20  _  تقديره ومنحه قيمة بارزة من طرف بعض المساهمين

21  _  تعرض سره للانكشاف وافتضاح أمر المستور

22  _  استغلاله لبعض الأقنعة وآيات متنوعة من التقمص .

23  _  اقتصاصه من بعض المساهمين في ( الثقب الروحي ) .

24  _  علاقته بشريكة الحياة

     ترتبط هذه الوظائف السردية أيضا بعمليات الاتصال الموجهة لمراحل وصيغ ومقامات العمل الروائي ومقاصده ، فهي تبلور بدقة :

      أ   _    سياق ومرجع الرواية .

   ب  _      سمات المخاطبين وانفعالاتهم واستجاباتهم المتنوعة .

   ج  _      الرسالة السردية / البعد الشعري للعمل الروائي 

    د  _      سمات القارئ العري والأنساق المعرفية المتعلقة به

    ه  _     عملية الاتصال السردي

    و  _      القانون اللغوي ( النحو الروائي ) الموظف

     نلاحظ أن هذه الوظائف تتدرج وتترابط عبر فصول وصفحات الرواية تبعا لعدة دوافع وعمران سردي منتج

1     _     المجنون يشكل قرينا للدكتور منقذ في حله وترحاله ، ويطلب حرق ملفات الهذيان لإقصاء نيران الشك ومس الشياطين المغوية للمؤمنين .

2 _     نرجال يفتح ثقبا في العالم السفلي

3 _     المنقذ يشارف الموت ويُضْرَبُ حتى يرى ويقارب البياض

4 _     هيد تهتم بوجبة الغذاء وأختها نور تقرأ كتاب الفيزياء للصف السادس إعدادي .

5  _    الدكتور منقذ يبحث عن الحكاية الشعبية الاسترالية للطبيبة غونير، ويحفظ رسائل وصور ( هيد ) في ملفين خاصين

6  _    زوج إسراء هو الظل والشجرة التي تختبئ تحتها والجناح الوارف الذي يغدقها عليها الحنان .

 7  _   كتاب ( سِفْر الرُّوح ) ، كل صفحاته بيضاء .

 8  _   صعوبة نسيان كريم لشخصية حياة

 9  _   قد ينهي شخص ما حياة آخر بكل بساطة ، ثم ينطلق وهو يختال في الشارع دون عقاب أو قصاص .

10 _   إعطاء المنقذ السر في الصباح إلى صاحبة السر.

11 _   منقذ يصور الأماكن والمناظر الطبيعية لبعثها إلى داليا .

12 _   كريستين تشارك أناهيتا شرب القهوة وبعض المكسرات

13 _   مراقبة أصحاب الدين وأحزاب الرّب لكل جزء من حياة الناس

14 _   هيد تتعرض في نومها لكابوس مرعب وغريب ، يظهر لها على شكل ثور مجنح .

 15 _  كفاح تدير مملكة عاهرات مسكينات في بغداد .

 16 _  هيد تتقصى ملامح دنيا وما تنوي فعله

 17 _  الدكتور منقذ تراوده كوابيس أو أحلام يقظة عن خيانة زوجته إسراء ، فيناقشها مع  المجنون .

 18 _  القس يخبر المتعلمات أن اللائي ينقلن ما يحدث في الكنيسة من جنس بأنهن سيتعرضن للحرق في نار الجحيم التي أعدها الرّب لكل المخطئات .

 19 _  ورود رسالة من سليم تشير إلى أنه مازال حيا يرزق .

علاقة الواقع والمتخيل بدلالات الرواية ( 3 )

تتجلى هذه الدلالات السردية في معالجة الموضوعات التالية :

    أ   _    تقصي بعض تجليات الإرهاب في مدينة الموصل .

    ب _    رصد أحداث ما بعد نظام حزب البعث وصدام حسين، وسقوط البلاد في يد العملاء والغرباء، وتجربة السياسيين الجدد حتى عام 2016م.
ج  _      خلق ضروب من التداخل والاقتباس والتجاذب النصي مع بعض النظريات الفلسفية ، والفنية ، والأدبية ، والتاريخية والجغرافية... 

  د  _      معالجة بعض المحظورات والمقدسات

  ه _      حث القارئ العربي على التنوير والتغيير والتحرر والنهوض.   و _        تسليط الضوء على نماذج من الإرهاب الديني والسياسي.

ز _        طرح فكرة ( العود الابدي ) و ( العود المعاش ) من خلال حكايات بعض شخصيات الرواية ( ميرنا إلياس ، أناهيتا الأفغانية ، داليا الفيلسوفة ، زينب ، منقذ ، هيد ...  ) .

ح _        بناء جسر مكوكي بين الواقع والمتخيل .

ط _        رسم فضاءات وأحياز زمكانية واسعة للشخصيات بالارتكاز على لغة عربية واصفة ، تعد مشتركة ومسيطرة اجتماعيا ، لأنها تهز القارئ العربي  وتسكنه

ي _       رحلة المجنون في الحياة الدنيا ، حيث تتماهي شخصيته مع شخصية الدكتور منقذ في أغلب الأوقات ، وما أكثر هذه المماثلة والازدواج في عالمنا الواقعي

ك  _     انسلاخ بعض ( الذوات الروائية ) عن قواعد الواقع وبروز بواطنها الغامضة والغريبة 

ل  _      تحليل الحالات النفسية والتصرفات المتنوعة لبعض الشخصيات المقيمة في أستراليا ( حكاية ميرنا إلياس ) . 

م  _      رفض المنتظر الأسطوري المنقذ والتحرر من أساطير الأولين .

ن _      امتزاج الكمال بالجمال النسبي

س _     كشف المستور القابع في مدينة الموصل وتقصي موضوع الإرهاب والعنف الديني والجنس ... 

ع   _    بناء تقنيات سردية مبهرة لتطوير واستشراف ( الرواية العراقية ) .

ق   _   إذاعة تنوع ثقافي فني عبر فصول العمل ( خلق عوالم مختلفة ، مفاجآت سردية ، تميز سمات الشخصيات ، السلوك البشري ، تنويع الأسطورة المنقذة ...) .

تحتل ثنائية : الواقع / الخيال دوراً مهما في الرواية العربية المعاصرة على العموم ، وفي الرواية العراقية على الخصوص . فالخيال هو الذي يرمم فجوات الواقع ، لكنه يبقى صعب المنال والترويض ، ولا يتمكن من ناصيته إلا المبدعون الموهوبون الذين يخلقون من خلاله سردا عربيا غرائبيّاً ساحراً . إنه يقوم على صورا غير معهودة ( 4  ) ...

   يعتمد الخيال في رواية ( الثقب الروحي ) على مستوى الأنا ، إذ يسعى الواقع الخدَّاع الزائغ إلى تقويض البناء الهشّ للحلم ، أما الخيال فيهتم ببناء عوالم سردية غرائبيّة ، لتتبدَّى حقيقة الرغبة والوسيط ، والوهم الرومانسيّ الذي يحجب الرغبة المستقلة والأصيلة .

   يقوم مالك مجباس بتحليل  العلاقات القائمة بين الحقائق والأوهام التي تعتنقها بعض شخصيات ( الثقب الروحي ) ، فيكشف لنا عن جمالياتها الرائقة ، وهو ما يبرز قدرة هذا المبدع على ارتياد آفاق سردية باهرة .

   يرتكز التخييل الروائي إذن على المسرود ات المرصوصة  المتعلقة بالأحداث المتخيلة التي تنتشر عبر فصول الرواية . إنه يمثل لعبة سردية مهمة تترجم في الواقع الحي ، لتكشف عن الخيوط الدقيقة التي تفصل أو تربط بين الفنّ والحياة وتجربة المبدع ورؤيته للعالم .

   يمنح هذا التخييل شخصيات وعوامل ( الثقب الروحي ) أبعاداً مختلفة ، حيث يتجلى في معظم الحالات : فرحاً ، حزناً ، تصويراً ، انتقاما ، ترويحا عن النفس ، جنسا ، خواء فكريا ، مروقا ، سفسطة ، تعذيبا ، استعطافا ، عنادا ، سفاهة ، غباء ، حذلقة ، وصفاً ... وهو ما يجعله يعانق مختلف جوانب العمل السردي ومقاصده ( 5  ) .

   يقدم المؤلف عدة نماذج متجاذبة ومتداخلة  Interferenceللتخييل عبر فصول الرواية أثناء معالجة :

أ   _    الحالات النفسية والسلوكية للمجنون ولبعض الشخصيات المحورية في العمل .

ب _    حالات العشق والجنس والإباحية بين بعض شخصيات الرواية .

ج  _   التجاذب النصي مع التراث العالمي والأساطير المتنوعة وبعض الحكايات الشعبية .

د  _   صور الحياة والموت والعالم الأخروي والرثاءً الرومانسي العجائبي

ه _    الكوابيس وأحلام اليقظة عند بعض الشخصيات .

و _   المناجاة والحوارات المتنوعة والمواساة والترويح عن الأنفس المكلومة

ز _    عمليات الانقلاب الكبير غير المتوقّع في المسرود الروائي لصدم القارئ العربي ، واستفزازه ، وهزه من الأعماق ... ( أقوال وشطحات المجنون ، حالات الجنس والإباحية ، الإرهاب ، استغلال بعض الفقهاء للدين ، عذاب بعض الشخصيات واعترافاتها ، علاقاتها بالقراءة والكتابة ، رموز داعش ، الأساطير ، سفر الروح ....) . 

ح  _   الالتباس والتداخل بين الواقع والخيال عند بعض الشخصيات ، وبين الحلم والكابوس ، والمسموح والممنوع ، الدين والحياة ، المنجز والمأمول ...

ط  _   الفراغات والثغرات القابعة في ذهن القارئ العربي لخلق التفاعل بينه وبين المؤلف ، وتنشيط خياله الذي يطرح عدة نهايات أو بدائل وتأويلات ومقاصد مثيرة لا ( تخصي ) ، أو تفكك أو تعطل دلالات ومقاصد العمل .

   يرتكز التخييل في بعض فصول وصفحات الرواية على استغلال البعد الغرائبي والعجائبي لبعض الحكايات والأساطير السومرية ، وأقوال المجنون . إنه يمثل عنصرا سرديا مهما داخل هذا العمل ، تؤثثه لغة عربية مشتركة صافية ، تسعى إلى تسطير عدة غرائب وعجائب بشكل محبوك ومحنك

   تتنوع الآفاق المختلقة ، وتتسع المسافات المترامية عند القارئ العربي لهذا العمل ، فتتعدد أبواب ونوافذ خياله ، مما يجعله يعتقد أنه قد قام بفك شفرات نصوص ( الثقب الروحي ) عن طريق التأويل الشخصي والافتراضات والمزاعم المبيتة ، وهو ما يزيد هذه الرواية سحرا وإبهارا واستفزازا .

   يواجه القارئ العربي صعوبة تفكيك بعض الخصائص الجمالية والفكرية والتداولية Pragmatic  والتراكيب اللسانية عند مالك مجباس ، وهو ما يجعله يسعى جاهدا للبحث عن معانيها القويمة والمحورية ، حيث يقترح عدة أبعاد وفرضيات ومقاصد .

   يتجلى عمل الوظائف السردية وعلاقتها بثنائية : الواقع / الخيال في العمل المدروس من خلال :

  أ   _ تنويع بعض الصور وتجديدها وتغيير بعض المشاهد والتلاعب باللغة العربية المشتركة ، حيث يقول في الصفحة 34 : 

_  (( بعثتْ فيه هذه البنت أفواجًا من الذكريات المباغتة التي كانت تراقبه من وراء ستار شفاف ، تنتظر كوة صغيرة تنفذ من خلالها إلى سطح تفكيره ، وها هي الآن تنبعث من رحم أعماقه وتشكل مزاجه الليلي المُتقهقر إلى عبق الماضي )) . 

   يربط المؤلف هنا بين المحسوس والملموس ، ويقلب الآيات والمشاهد المعهودة : ( أفواج الذكريات ، والكوة الصغيرة المطلة على سطح تفكير الدكتور منقذ ، وهذه الفتاة البغدادية التي تولد من أعماقه في ظلام ليل سيدني الاسترالية ...) . 

   يتمدد خيال مالك مجباس ويتسع ، ثم يرحل محلقا وباحثا عن جمهرة من الصور الخيالية ، ليوزعها عبر عدة مواطن من روايته ، ويتفنن في رصدها وتلوين جوانبها العجيبة والغريبة ( 6 ) .

   يطالع هذا المبدع القارئ العربي بضروب من الخيال والآفاق الغرائبية والعجائبية التي لا تعد ولا تحصى ليفتنه ، ويجعله يذعن لسرده العجيب . نجده يمزج أحيانا بين أقوال المجنون والدكتور منقذ والأساطير السومرية والحكايات الشعبية الأسترالية ، وصور الجنس والدعارة المقيتة ، كقوله في الصفحتين 37 _ 38 : 

_   ((  البشري سيبقى كائنًا وحيدًا ، يعيش في شرنقة موحشة ، لا تنفعه صداقات ولا حبّ ، فما هي إلا لحظات ويعود إلى شرنقته ، فتموت السعادة ويضمحل الحب ! يولد وحيدًا ، يعيش وحيدًا ، ينام وحيدًا ، يتبرز وحيدًا ، يستحم وحيدًا ، يبكي وحيدًا ، تمضي أيامه وحياته وحيدًا ، يموت وحيدًا ، يأكله الدود أو النيران وحيدًا . كفى حديثًا بلا معنى ، اكتبْ يا ولدي )) المجنون ينبهني بغضب .

   وفي الصفحة  60يسرد لنا :

 _ ((  يجب أن نعيد دورات الحياة ونصنع خريطة العالم من أجسادِ الشهوة واللذة )) ، يقول المجنون مرتديًا لباس الحكيم العارف

   ونقرأ قوله في الصفحة 94 :

_  (( ... الأسد كانت تمارس الجنس مع عدة عشاق تتخذهم أخدانًا في فترات مختلفة ، ما إن تنتهي من أحدهم حتى تشرع في علاقة جديدة ، فهي امرأة شهوانية لا تشبع ، عقلها بين فخذيها ، تسيطر على زوجها الضعيف حد اللعنة ، حتى مع ابن عم زوجها كانت تمارس سد رمق غريزتها في أيامها الشهوانية المفرطة ! ... )) .

   ونعانق في الصفحة  148قوله :

_  (( حياتنا كُلُّها مجاهيل ، لا مجال لأية هوية ، جميع مسميات الهوية مجرد افتراءات لا أساس لها من الحقيقة . نحنُ مجهولون في فضاء مجهول ، سارحون في صحراء الضياع ، تائهون ما حيينا وما متنا ! والآن ، أيقنتُ ، أن الموت لا يوصلنا إلى الحقيقة ، حتى الموت المطلق هو وهْم في وهْم . وجودنا كله كارثة بحق ، وموتنا كذلك ، لا خلاص لنا ، لا خلاص !. المجنون يبث كلماته الغرائبية بينما يدخن سيجارته بسرعة وكأنّه يريد الإمساك بدخانها ، لا يريد لخيوط الدخان أن تتحرر ، يحسدها على تحررها ، وهو مُحق في ذلك إلى حدٍّ بعيد ، فهي تعود إلى العدم ! )) .

   ونطالع قوله التالي في الصفحة  178:

_  (( ها هو يوم آخر أبتهلُ به إليكِ ، أطوفُ في محرابِكِ ومحرابِ عينيكِ الرائعتين ، أتنفسُ شيئًا من غبار خطيئتي البشرية لأُطهرَه بماءِ حروفِكِ ورسمِكِ النقي ، أكشفُ ملامحَ سري في رحمِ جنوني بكِ، أترك خريفي ورائي وألتجأ إليكِ . يا هيدتي الغالية ، يا نور حياتي المُنتظَر ، يا قنديلي الذي يطفئ ظلمات عتمتي القاتلة ، يا مطري الذي يروي ظمأي ويسقي جفاف عروقي ، يا فضيلتي التي أبحثُ عنها منذ وجودي ومنذ خليقتي ، وقبل وجودي وقبل خليقتي . أنت يا طريقي إلى البياض ، أنت يا دفئي العتيق ، يا نور الروح. يا كلمتي المقدسة ، نافذتي الوحيدة في هذا الكون الغائم المغلق . تعالي إليّ، أنا متداعٍ وملتجئ إليكِ)).

 ((هذا البشري وهذه حياته، فلتُنظّروا ما شئتم، قولوا ما بدى لكم ، اكتبوا ، اصرخوا... سيظل البشري على ما هو عليه ، مجموعة من العيوب المركونة في وعاء يسمى جسداً أو جسماً. وهذا سبب الخواء الذي تعيشونه. أنتم تاريخ وسلاسل من الفراغات الخاوية، تتجمع في لحظةٍ تائهة؛ فتنتج هذا البؤس . يقول المجنون ويبدأ بالنهوض متثاقلاً )) .

   ويسرد في الصفحة  259:

_ ((الحبُّ يبقى في حالةِ النقصان الأبدي مالم يختلط بشهوةِ التسلط ورغبة الإيلاج والقذف إن لم تكن غريزة التدمير، أي أن عالم الرومانس (القناع الكاذب) يختلط مع الإباحية والأيروتيك (القناع الحقيقي) بصفته الداعرة؛ وهذه العلاقة كفيلة بالوصول إلى مشارف الكمال اللذائذي، أي الوصول إلى الذروة ثم الخفوت. وهكذا هي الحياة، نمو، ذروة ثم تقهقر واضمحلال. إذًا الذروة هي بداية النهاية، وفعل الجنس هو ذروة الحب وبداية نهايته معًا

 دعنا نتحدث عن الحب بصراحة، عن العادة السرية وما تضمر من حب الذات والنرجسية، عن حب المثلية الجنسية سواء الذكورية أو الأنثوية، حب البغايا والعاهرات، عن الحب المحرم، الحب المراهق كما يسميه أصحاب العقول القردية. دعنا نزيل غشاء الخجل والنفاق، نتحدث بصدق ولا ندخل أغلال الأخلاق إلى حديثنا، دعنا نكشف ما يريدون إخفاءه بدوافع الحشمة وقيم المجتمع وشرائع الدين، هيا. لماذا الزواج التقليدي هو الصائب؟ لماذا لا نتزوج من نشاء وما نريد؟  نضاجع أي فتاة تعجبنا وفي أي مكان نجدها، لا نخشى المجتمع ولا أي تبعات قانونية فاجرة وغيرها، لماذا لا يحصل ذلك إلا بحدود الحرام والمحرم وغير القانوني والشاذ؟ وحتى في البلدان التي تدعي الانفتاح يبقى خط الجنس حاجزًا أحمر بوصفه تابو!. اللعنة عليكم اكسروا القانون والشرائع، سيروا في الطرقات عراة ومارسوا ملذاتكم وفق غريزتكم الحيوانية الحرة. هيا يا شباب بني البشر اغرفوا من بحور الجنس كما يحلو لكم، هيا، مارسوا رذائل بشريتكم وفضائلها كما تريدون)).

   ونطالع في الصفحة 288 :

_ ((ما جدوى النضال البائس؟ ما جدوى نزاعكم من أجل البقاء؟ ما الذي سيبقى بعد ــــ مثلًا ـــ مائة عام؟ لا شيء، سيختفي الجميع، يموتون ويتلاشون في اللاشيء، سيبلعهم العدم. لا أفهم المغزى من لهاث البشري وراء تفاهات حياته ليل نهار، يركضون خلف ما يشبع حاجاتهم ورغباتهم، يظنون أنهم يبحثون عن الكمال أو السعادة، لكن، لا جزء من كل تلك الأقاويل قد تحقق ولن يتحقق، هم هكذا عطشى على الدوام، وعطشهم يتعاظم مع الزمن. ستذهبون جميعكم إلى الجحيم، فلا تقاوموا نهايتكم، استسلموا يا صغار أغبياء. يقول المجنون بينما ينفث دخان سيجارته بعيدًا ويراقب دواماته التي تلتف، تنتشر وتختفي بصمت وهدوء، ثم يعب كأس الويسكي البارد)).

   ويذكر في الصفحتين 308 _ 309 :

_  ((   خضتُ كثيرًا في المياه الضحلة ، تمرغتُ بما فيه الكفاية بين قذارات الحمقى الذين يتصورون أنفسهم برازًا مهمًّا تقوم عليه الحياة ! حتى وصلت إلى اللامبالاة تجاه كُلّ ما يحيطني وما يعتريني. ورغم إيماني أن الكثير من الأشياء بإمكانها أن تسبب الإزعاج، تتمادى وتسرب سمومها إلينا ما إن نجعل موقفنا تجاهها رخوًا، إلا أني قد قررتُ تجاهل ما لا أرغب به، أدركتُ كما من زمنٍ بعيد، والآن حصلتُ على المفتاح الذي انتظرته طويلًا

يا مَن تريد الدخول، تخلّ عن كُلّ أمل، هذه شيفرة بوابةِ الجحيم، كلمة سر الدخول الطبيعي إلى الحياة، المعنى الحقيقي لبداية النزوح. كيف نتخطاها؟ يجب أن نكسر هذه القاعدة، نمارس التمرد الأعمى! ونعاكس التيار الجارف للوجود، نعود إلى الغابةِ المبهمة، نجد الكاهن الكفيف، نلتمس منه أن يدلنا على الطريق، نلتقيه في الليل، حيث تتحول الأوراق والحجارة إلى أفاعٍ سامة، الناس نيام، الغابة مظلمة، والحزن يخيم على الكائناتِ والبرية، نخبره حاجتنا؛ أن نعثر على الثقب، سينكر، نضربه ونسلخ جلده ككبشٍ، مثل جلجامش وإنكيدو حينما عاقبا الوحش خمبابا في غابةِ الأرز، لكن هذا العجوز الهرمربما-مُحق في جهله للطريق! فهو مجرد شعور مخبول باغتني وأخبرني أن هذا المغفل الأعمى يعرف السبيل.

أتعتقد أن طرق المستقبل والماضي مفقودة، وما علينا إلا المضي قدمًا في دهاليز متاهاتنا اليومية التي نتوهم فيها أننا نخلق حقائقًا ملموسة من خلال التنفس والعيش؟ لا أعرف، أنا ضائعة، أنا ظلال شيطان، غريبة، أتداعى، أنا جاهلة، بحاجة إلى رويِّ ظمأ معرفتي، معرفة مصيري ومصير منقذي. أعيش لحظاتِ الدفق الأخير، وكأنّ الحياة شهقة تائهة، كلها لا تساوي شيئًا، كل ما تم إنجازه عبارة عن قصةٍ كاذبة، لعبة تديرها أيادٍ خفية، وما الغريب؟

حلمتُ في يومٍ وتأملتُ حلمي؛ تتساقط الأوراق تباعًا، تتلو كلماتها الأخيرة وتمضي، الأنهار تتضرع بأغنيةٍ مُبهمة، يتصاعدُ الضباب،وصخب الخليقةِ يصحو على أرقه الجديد أو ربما يخبو في سكوت آخر! هنالك الصمتُ يحل،وهنالك ثمّة حمامةٌ بيضاء، حمامةٌ نورانية، من نورٍ أبيض، أبدي، هنالك ثمة أنا، أنا القديسة زينب، المسكينة التي من الظلام وإلى الظلام تسير، تبحث عن طبيعتها المختفية، عن نورها الغائب، وحيدة تمامًا كما هي دائمًا. والنهاية كانت باهتة. لا، لا، لا، هنالك ثمة وهج نوراني، نعم، هنالك في نهايةِ الظلام منقذي ينتظرني، سأقبله، سأرتشف رحيق لعابه وأنفاسه.

أنا متيقنة من معرفتك بهذا اللقاء، أنا ذاهبة إليك، إلى منقذ، إلى عشقي الخالد. سأصمتُ عن هذياني المريع ، وعن كشف أسرار طريقنا السري ، سنلتقي ونتحدث بلا نهاية .

دكتور أنا قررتُ الذهاب إلى نقطةِ شروع طريقي في الحياة، أنا عائدة إلى منقذي، سأراه اليوم. دمتَ بخيرٍ يا رفيقي، دون كليشيهات الوداع والابتذال البشري، أنا راحلة ـــ عائدة)) .

   ونقرأ في الصفحة  311:

_  (( راقب النمل تحت قدميك يا صديقي ، كلهم قطيع من نمل ، لكنهم بلا رؤوس وبلا هدف أو غاية ، البشريون نمل تائه ، نمل خاوٍ ، نمل غبي. كُلُّهم بَيادِقٌ بُلْه تُحرّكهم أناملُ وحشٍخفية )) .

   يحاول المبدع توظيف صور متنوعة من الخيال لجعل عمله السردي يتماهي مع الواقع ، حتّى ليخيّل للقارئ العربي أنّ الدكتور منقذ بطل الرواية قد عايش وشارك في الأحداث التي وقعت في العراق . فكأنّما مدينة الموصل تمثل جحيما تولي الفرار منه شخصيات الرواية إن استطاعت إلى ذلك سبيلا ، وكأن ويلات الإرهاب ، وجهالة رجال الدين ، وجحيم جماعة داعش وضلالهم هي نسق اجتماعي قائم يحرق بلظاه كل الذين يعايشونه

   تتداخل فصول الرواية وأحداثها ، وتتقاطع سمات الشخصيات والآيات السردية ، لتقدّم عوالم روائيّة غنيّة ، يبسط من خلالها المؤلف المشكلات المزمنة ، ومشكلات الإرهاب ، والدين ، والجنس ، والخيانة ، والتحزب ، والسطحية ، والعمالة ، والخواء الفكري ، والظلم ، والهمجية ...

   يتعرض لثنائية : الواقع / المتخيل عبر فصول رواية ( الثقب الروحي ) باستغلال عمليات التجاذب النصي والاقتباس المتنوع من التراث العالمي ، والأساطير ، والحكايات الشعبية ، والحلم ، والكوابيس ، ومأساوية وجنون الواقع العراقي ، فيقدم لنا صوراً متنوعة تعانق سلوك وسمات الشخصيات المتقلبة في ظل الإرهاب ، والجنس والدعارة ، والأسفار عبر العالم ، والعلاقات المختلفة بين الناس ، وأشكال من التذكر والاستحضار لتاريخ وسيرة بعض النماذج المشكلة للرواية (  7 ) . 

   تتنوع الفضاءات والأحياز الزمكانية عند المؤلف من خلال استعماله لتقنيات سردية مثيرة ، تسطر عليها قضايا الجنس والإرهاب وعذاب الشخصيات ، ومشاريعها ، وانكساراتها ، وكوابيسها وأحلامها التي تشهد على واقعٍ عراقي محلي مهترئ قد نال نصيب الأسد من رؤية المؤلف ، والشخصيات ، والساردين ، واللغة الواصفة والفضاءات والأحياز الزمكانية

   يجد الدكتور منقذ نفسه مكبلا بعدة التزامات وعلاقات ، وثقافات تخص المخاطبين والحواريين ، وشخصية المجنون / القرين ، فتتبخر حريته ومرونة أثناء التعامل مع عدة مواقف ، لكنه ينتصب بهامته ، ويمشي مجابها للصعاب رغم سوء بعض السياقات والمقامات . نجده يتحدّى عدة صعوبات ومثبطات باستغلال طريقة الحوار والمناجاة والجدال والتذكر والتخيل . إنه يجابه الإحباطات والعثرات المؤلمة ، والذكريات الحزينة ، والظلم والإرهاب المقيم في الديار .

   يشرئب الجنس كل مرة بصوره السافرة ليؤثث الواقع والخيال ، فيمتزج بالعذاب والإرهاب والخراب ، والجفاء والخواء الفكري لنفوس بعض الشخصيات ...

   تتعدد الدهاليز والمساحات، وأشكال السقوط في الهاوية وغياهب الجب، ويتنوع الصعود منهما بغية الربط بين الواقع والخيال، من خلال تقديم صور من العذاب والقهر والموت البطيء ، والانهيار والضياع ، والوضاعة كمحاولة لعبور ( الثقب الروحي ) بشتى الوسائل والسبل والوضاعة ...

   وخلاصة القول أن مالك مجباس قد استعمل عدة وظائف سردية في روايته المثيرة والمستفزة لعدة قيم وأخلاقيات ثابتة ، كما أنه قد أجاد تصوير عدة مشاهد متنوعة من الجنس والإرهاب وعذاب وتشتت وطموح بعض الشخصيات والعوامل ...

   لقد وظف هذا المبدع تقنيات سردية ونقدية اتفاقية Conventional ( الشخصيات ، الأحداث ، الحبكة ، الفضاء والأحياز الزمكانية ، اللغة الواصفة ، الساردون ، الرؤية الخاصة بالمبدع ....) في هذا العمل بحنكة وحبكة بالغتين ، وسطر آيات بينات أدبية تتحرك بين الواقع والخيال ، وهو ما يدل على تمكنه من أدواته السردية ، واستشرافه للجديد المفيد في دنيا الرواية العراقية المعاصرة .

   يمكن جمع شتات هذا الموضوع في النقاط التالية :      

1 _  تنوع سقوط بعض الشخصيات في حبائل الجنس ، والعذاب ، والانهيار ، والإرهاب ، والكوابيس ، والخواء الفكري ، وطغيان الانعزال ، والأنانية ، والمروق ، والنفاق ...

 2 _ سرد مآسي الشعب العراقي وانتكاساته وفساد بعض الأنظمة والمعتقدات

والقيم والأخلاقيات .

3 _  حب التغيير والجنس يقبعان في أعماق الشخصيات بعتمتهما وكآبتهما ومأسويّتهما ، وانعتاقاتهما وترويحهما عن النفس ...

   4  _   تعدد صور الخيال والواقع المنشرة عبر صفحات وفصول الرواية ، والمستعملة دون أي تضليل أو تمويه أو شرود ، بل نجدها تنشّط الخيال ، وتفعل الفضاءات والأحياز الزمكانية ، وتبعث على الاستشراف وحسن الفهم والتأويل ، وتقدّم بدائل وعوالم لا تخطر على بال ، ولا يطالها الخيال العادي.

الهوامش 

1    _   كريمة بوكرش ، الوظائف السردية والدلالية للخطاب الصوفي في الرواية العربية المعاصرة  ( شجرة العابد ) لعمار علي حسن نموذجا . أطروحة دكتوراه ، جامعة محمد بوضياف ، المسيلة ، الجزائر 2007 . 

2    _  زهراء حسين العراقي ، مقال عن رواية ( الثقب الروحي ) منشور على شبكة المعلومات

3    _  جمال مباركي ، الوظائف السردية في نقد الرواية ، مجلة العلوم الإنسانية ، جامعة محمد خيضر ، بسكرة ، الجزائر ، العدد 24 ، ص 335 .

 4  _   جيرار، جنينه ، ترجمة د. رضوان ظاظا ، الكذبة الرومنسيّة والحقيقة الروائيّة ، ط 1 ، المنظّمة العربيّة للترجمة ، بيروت ،  2008م

5   _   ريمون كنعان ، شلوميت ، ترجمة لَحسن أحمامة ، التخييل القصصيالشعريّة المعاصرة ، التكوين ، دمشق 2010 م .

 6  _   رضا صيداوي ، رفيف ، الرواية العربيّة بين الواقع والتخييل ، ط  1  ، الفارابي ، بيروت ،  2008م

 7  _   توهومجو ، أصلي ، ترجمة بكر صدقي ، لا حياة لي من دونِك ، رواية ، قَدْمس ، دمشق 2010م .

أسفل النموذج

****

طالعوا الصفحة الإجتماعية للصحيفة و اشتركوا فيها إن كنتم من ناصري الكلمة الحرة و العدل:

: https://www.facebook.com/khelfaoui2/

@elfaycalnews

instagram: journalelfaycal

ـ  أو تبرعوا لفائدة الصحيفة من أجل استمرارها من خلال موقعها

www.elfaycal.com

- Pour visiter notre page FB,et s'abonner si vous faites partie des défendeurs de la liberté d'expression et la justice  cliquez sur ce lien: : https://www.facebook.com/khelfaoui2/

To visit our FB page, and subscribe if you are one of the defendants of freedom of expression and justice click on this link:  https://www.facebook.com/khelfaoui2/

Ou vous faites  un don pour aider notre continuité en allant  sur le site : www.elfaycal.com

Or you donate to help our continuity by going to the site:www.elfaycal.com

آخر تعديل على الأربعاء, 07 تشرين2/نوفمبر 2018

وسائط

أعمدة الفيصل

حولنا

‫"‬ الفيصل‫"‬ ‫:‬ صحيفة دولية مزدوجة اللغة ‫(‬ عربي و فرنسي‫)‬ ‫..‬ وجودها معتمد على تفاعلكم  و تعاطيكم مع المشروع النبيل  في إطار حرية التعبير و تعميم المعلومة‫..‬ لمن يؤمن بمشروع راق و هادف ‫..‬ فنرحبُ بتبرعاتكم لمالية لتكبير و تحسين إمكانيات الصحيفة لتصبح منبرا له مكانته على الساحة الإعلامية‫.‬

‎لكل استفسارتكم و راسلوا الإدارة 

القائمة البريدية

إنضم إلى القائمة البريدية لتستقبل أحدث الأخبار

Faire un don

Vous pouvez aider votre journal et défendre la liberté d'expression, en faisant un don de libre choix: par cartes bancaires ou Paypal, en cliquant sur le lien de votre choix :