wrapper

الأحد 16 يونيو 2019

aps facebook     aps twitter

مختصرات :

ـ آمال سيد محمد *

 

الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، وقدم على الإيمان بالكتب، والرسل لعدة أسباب:

1- لتقدم الملائكة في الخلق على الأنبياء.

 

2- لتقديمهم في القرآن كما في قولـه تعالى: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)[البقرة:285]

3- لأنهم مبلغون لوحي ربهم إلى من أرسله الله تعالى من رسله

والملائكة في الشرع: مخلوقات نورانية، وهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لهم قدرة على التشكل بأشكال مختلفة  . وهم من عالم الغيب الذي أمرنا بالإيمان به، ولهم صفات عظيمة ووظائف جسيمة

- سيأتي بيانها إن شاء الله

الأدلة على وجوب الإيمان بالملائكة ومقتضاه:

والأدلة على وجوب الإيمان بهم في قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَق وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ{285}) [البقرة:285].

وقولـه تعالى: ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)  [البقرة:177] الآية. ومن ينكرهم فهو كافر بنص القرآن قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً{136}) [النساء:136].

والملائكة عباد الله المكرمون، خلقهم الله من نور وأسكنهم السماء، لا يوصفون بذكورة، ولا أنوثة، وليسوا بنات الله ولا أولاد الله جل وعلا، والإيمان بهم يقتضي:

أولاً: الإيمان بوجودهم.

ثانياً: الإيمان بأنهم عباد الله المكرمون، لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، وهذا ينفي اعتقاد أنهم متولدون عن الله عز وجل، أو إنهم عقول فعالة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

ثالثاً: الإيمان بهم على سبيل الإجمال والتفصيل، فالإجمال بهم جميعاً، والتفصيل فيمن ذكرهم الله جل وعلا في كتابه، أو ذكره لنا رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته مما ثبت وصح عنه كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار وحملة العرش، والكربيون، وملك الموت.

رابعاً: الإيمان بما جاء من صفاتهم، ومن ذلك أنهم خلقوا من النور، وأن لهم أجساماً عظيمة، وأن لهم أجنحة قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{1}).[فاطر:1].

وفي الحديث عن أبي هريرة

في الحديث عن أبي هريرةرضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقولـه، كأنه سلسلة على صفوان قال عليُّ : وقال غيره: صفوان ينفذهم ذلكفإذا: فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربُكم قالوا الحقَّ وهو العلي الكبير"

ومن صفاتهم أيضاً القوة في العبادة كما وصفهم جل ذكره بقوله: ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون{20}) [الأنبياء:20].

ومن صفاتهم أيضاً جمال المنظر وحسنه وبهاؤه كما وصف ذلك عمررضي الله عنه  جبريل عندما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل

ومن صفاتهم أيضاً التشكل بأشكال مختلفة، كما في حديث جبريل عن أبي هريرةرضي الله عنهأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً بارزاً للناس، إذ أتاه رجلٌ يمشي، قال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر". قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "الإسلام: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان". قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه سبحانه وتعالى يراك". قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت المرأة ربتها، فذاك من أشراطها، وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله: "إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام"، ثم انصرف الرجل، فقال: ردوا عليّ. فأخذوا ليردوا فلم يروا شيئاً، فقال: هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم" .

فقد أتاه في صورة أعرابي، وقد يأتيهعليه الصلاة والسلامفي صورة دحية الكلبي  رضي الله عنه، وكما في حديث الثلاثة من بني إسرائيل الأبرص، والأقرع، والأعمى الذين أرسل الله إليهم ملكاً على كل واحد منهم ليبتليهم  في صورة رجل، وكما في إرسال الله جل وعلا ملكاً إلى مريمعليها السلاموأيضاً الملائكة الذين جاءوا إلى لوطعليه السلامفي صورة شبان حسان الوجوه وإلى إبراهيمعليهم السلامقال تعالى: َ(لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَماً) [هود:69].

ومن صفاتهم أنهم منزهون عما يعتري البشر من الجوع والمرض، والتعب والنوم، والنكاح.

ومن صفاتهم الموت فهم يموتون كما يموت البشر  .

ومن صفاتهم السمع  والبصر والكلام والأيدي والأقدام والصعود والنزول .. وغير ذلك من الصفات .

خامساً: الإيمان بما كلفوا به من أعمال وهي كثيرة وجليلة من أهمها تبليغ وحي الله جل وعلا إلى رسلهوسيأتيومنها إنزال القطر من السماء، وإنبات النبات والموكل به ميكائيلعليه السلامومنهم يخلق الرزق، وله أعوان ومنهم الموكل بالنفخ في الصور . قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ{68}) [الزمر:68].

ومنهم حملة العرش قال تعالى : (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة:17].

وقال تعالى: ( وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75] .

"ومنهم الكربيون الذين هم حول العرش وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش. وهم الملائكة المقربون"  .

ومنهم الموكل بالنطفة في الرحم حتى يتم خلقها ويخرج من بطن أمه كما جاء ذلك مصرحاً في كثيرٍ من الأحاديث.

ومنهم الموكل بالجنة وإعداد النعيم لأصحابها في مقدمة هؤلاء رضوانعليه السلامخازن الجنة.

ومنهم الموكل بإيقاد النار وإعداد العذاب لأهلها الزبانية، وفي مقدمتهم مالك خازن النار، قال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ{77} لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ{78} [الزخرف:77-78].

ومنهم الموكل بتبشير المؤمنين بالجنة والكرامة وذلك عند موتهم

ومنهم الموكل بعمارة البيت المعمور في السماء، ومنهم الموكلة بالسحاب وسوقه، ومنهم الموكلة بالجبال.

ومنهم الموكلة بكتابة أعمال العباد من خير وشر، ومنهم الموكلة بإنزال العذاب على الأمم المكذبة بأمر الله تعالى لهم وستأتي.

يقول ابن القيمرحمه الله – :

"وكل حركة في السماوات والأرض: من حركات الأفلاك، والنجوم،والشمس، والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرضكما قال تعالى: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً{5}) [النازعات:5] وقال: ( فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً{4}) [الذاريات:4] وهي الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسلعليهم السلاموأما المكذبون للرسل، المنكرون للصانع، فيقولون: هي النجوم (17) وهذا قول موجز وجامع لما تقوم به الملائكة الكرام من أعمال منوطة بهم.

وفي بعض سور القرآن الكريم جاءت الإشارة إلى بعض وظائف الملائكة الكرام، ويمكن إجمالها في أربع مسائل:

الأولى: إنزال الوحي على الأنبياء:

كما في قوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ{1} أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ{2}) [يونس:1-2].

وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ{15}) [يونس:15].

وقولـه: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ{109})

يونس:109].

ومحل الشاهد في قوله تعالى: ( أن أوحينا) وقوله:  (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) وقوله: (واتبع مايوحى إليك).

ومن المعلوم أن الملائكة هي التي تنزل بالوحي على الأنبياء والرسل، قال تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً{64}) [مريم:64] وقوله: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ{193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ{194}) [الشعراء:193-195]  وقولـه: (يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ{2}) [النحل:2] . 

وفي صحيح البخاري عن أم المؤمنين عن عائشةرضي الله عنهاأن الحارث بن هشامرضي الله عنهسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشةرضي الله عنهاولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً".

والصورتان المذكورتان في هذا الحديث هما الحالتان الغالبتان، كما ذكر ذلك ابن حجررحمه الله

وإلا فقد جاءت حالات أخرى لمجيء الملك بالوحي كإتيانه في صورة دحية الكلبي وفي صورته التي خلق عليها ستمائة جناح، على كرسي بين السماء والأرض وهي حالة نادرة كما قالت عائشة فيما روته عن النبي صلى الله عليه وسلم و"إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين .." الحديث، وجبريل عليه السلام هو المختص بالوحي قال تعالى في وصفه: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ{19} ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ{20}مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ{21}) [التكوير:19-21] ، فوصفه بأنه رسول، وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه وتعالى، وأنه أمين على الوحي" (21) ويقول تعالى: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ)  [النحل:102] . وقال تعالى: ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ البقرة:97].

وقد جاء في بعض الأحاديث التصريح بنزول غيره من الملائكة بالوحي ومن ذلك ما رواه ابن عباسرضي الله عنهماقال: "بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه، فنزل منه ملك، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي من قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته" .

وعن حذيفة قال: صلى الله عليه وسلم : العشاء، ثم خرج فتبعته، فإذا عارض قد عرض له، فقال لي: "يا حذيفة هل رأيت العارض الذي عرض لي"؟ قلت: نعم قال: "ذاك ملك من الملائكة استأذن ربه يسلم علي، ويبشرني بالحسن والحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة"  والذي يظهر والله أعلم أن جبريلعليه السلاماختص بإنزال القرآن الكريم، وأما إنزال غير القرآن من الوحي فشاركه غيره كما جاء في الأحاديث .

الثانية: إهلاك الأمم المكذوبة بأمر الله:

من المهام المنوطة بالملائكة، إنزالهم للعذاب الشديد، وإهلاك الأمم المكذبة للرسل بأمر الله تعالى وقد ورد في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ{13}) [يونس:13]. وقوله: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ{73}) [يونس:73] .

وقال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ{90})[يونس:90] روى ابن ج قال: "لما قال فرعون لا إله إلا الله، جعل جبرائيل يحشو في فيه الطين والتراب" وفي رواية أخرى قال: "لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبرائيل: يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حمأة البحر وأدسهُ في فيه مخافة أن تدركه الرحمة"  . وفي إهلاك قوم لوط يقول جل ذكره: (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ{77})

إلى قوله: (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ{82} مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ{83}) [هود:77-83].

الثالثة: كتابة أعمال العباد

فالملائكة الكرام تكتب جميع أعمال وأقوال بني آدم، قال تعالى في سورة يونسعليه السلام – : (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ{21}) [يونس:21] .

قال ابن جريررحمه اللهعن تفسير هذه الآية: "إن حفظتنا الذين نرسلهم إليكم أيها الناس يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا" ا.هـ  .

وقوله تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ{80}) [الزخرف:80] .

وقولـه تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ{17} مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ{18}) [ق:17-18] .

قال البغويرحمه اللهعند تفسير هذه الآية:

"إذ يتلقى ويأخذ الملكان الموكلان بالإنسان عمله ومنطقه يحفظانه ويكتبانه (عن اليمين وعن الشمال)، أي أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه يكتب الحسنات، والذي رير عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم عن شماله يكتب السيئات" ا.هـ  .

وقال تعالى: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ{9} وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ{10} كِرَاماً كَاتِبِينَ{11} يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ{12}) [الانفطار:9-12] .

قال ابن رجب الحنبليرحمه الله – "وقد أجمع السلف الصالح على أن الذي عن يمينه يكتب الحسنات، والذي عن شماله يكتب السيئات"ا.هـ

كتابة الملائكة لجميع الأقوال والأفعال:

اختلف العلماء هل تكتب الملائكة جميع الأقوال والأعمال، أم أنها لا تكتب إلا الحسنات والسيئات؟!

الأول: أنهما يكتبان جميع ما يصدر من الإنسان حتى أنينه في مرضه، وحتى قولـه أكلت، وشربت .. روي عن مجاهدرحمه اللهوروي أيضاً عن مالكرحمه اللهورجح هذا القول السفاريني.

الثاني: إنهما لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه، أو يعذب عليه ونُقل عن عكرمة.

وهناك قول ثالث: إنه يكتب جميع ما يصدر عن الإنسان، فإذا كان آخر النهار محا ما كان مباحاً، وقيل إن ذلك يمحي يوم الخميس .

قال ابن رجبرحمه الله – :

".. إن ما ليس بحسنة فهو سيئة، وإن كان لا يعاقب عليها فإن بعض السيئات قد لا يعاقب عليها، وقد تقع مكفرة باجتناب الكبائر، ولكن زمانها قد خسره صاحبها حيث ذهب باطلاً، فيحصل له بذلك حسرة في القيامة وأسف عليه، وهو نوع عقوبة". ا.هـ وقد رويت القولان عن ابن عباسرضي الله عنه  .

وقال ابن كثيررحمه اللهفي تفسير قولـه تعالى: عَتِيدٌ{18}) [ق:18] "أي ما يتكلم بكلمة (إلا لديه رقيب عتيد) أي إلا ولها من يرقبها معد لذلك يكتبها لا يترك كلمة ولا حركة" ا.هـ.

وقولـه أيضاً بعد أن ذكر القولين السابقين: "وظاهر الآية الأول لعموم قوله تبارك وتعالى:   (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ{18})  ا.هـ  .

فأما من قال إن أنين المريض يكتب عليه، فلأن ذلك يعبر عن الشكوى والتبرم "وتعقب ذلك النووي فقال: هذا ضعيف أو باطل فإن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، وهذا لم يثبت فيه ذلك. ثم قال فلعلهم أرادوا بالكراهة خلاف الأولى فإنه لاشك إن اشتغاله بالذكر أولى" ا.هـ (34) والخلاف هذا لفظي، حيث إنهم متفقون على عدم العقاب على المباحات مثل نحو أكلت وشربت .. ونحو ذلك

كتابة أعمال الكفار:

ظاهر قولـه تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ{21}) [يونس:21] عموم الكتابة، لأعمال المؤمنين والكفار وهذه المسألة قد اختلف العلماء فيها على قولين: .

الأول: إن أعمالهم لا تكتب لأن أعمالهم واحدة، وأمرهم لا خفاء به، ومعهم الشرك بالله تعالى والكفر المحبط لجميع الأعمال، واستدلوا بقوله تعالى: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ) [الرحمن:41].

الثاني: إن عليهم حفظه،وإن أعمالهم تكتب واستدلوا بقوله تعالى: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ{9} وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ{10}) [الانفطار:9-10] الآية وقولـه: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ{25} وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ{26}) [الحاقة:25-26] وقوله: وقالوا: إن الذي عن اليمين شاهد على الذي عن الشمال، ويكتب صاحب الشمال بإذنه .

قال الإمام النوويرحمه اللهفيما نقله عن السفاريني قوله:

 (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عتيد

"الصواب الذي عليه المحققون بل نقل فيه بعضهم الإجماع أن الكافر إذا فعل أفعالاً جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم ومات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له، ودعوى كونه مخالفاً للقواعد غير مسلم" ا.هـ .

وقال السفارينيرحمه الله – : "وممن نص على أن للكافر حفظة بعض المالكية، قال بعضهم وهو الذي لا يصح غيره. وهو الجاري على القول بتكليفهم بفروع الشريعة وهو معتمد الثلاثة خلافاً لأبي حنيفة" ا.هـ  .

والله تعالى يقول عن الكفار يوم القيامة: (يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً{49}) [الكهف:49] ، والأدلة على كتابة الأعمال ظاهرة، وصريحة، وليس فيها تخصيص للمؤمن دون الكافر.

كتابة أعمال القلوب:

اختلف العلماء في كتابة الملائكة وإطلاعها على أعمال القلوب، والنية، والإخلاص، .. فمنهم من قال باطلاعهم على أعمال القلوب، واستدلوا بالحديث الصحيح عن ابن عباسرضي الله عنهماعن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه عز وجل قال: "

قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة

قال ابن حجررحمه اللهعن شرح هذا الحديث: وفيه دليل على أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي إما باطلاع الله إياه أو بأن خلق له علماً يدرك به ذلك. ا.هـ  .

وقال شارح الطحاويةرحمه الله – :

قد ثبت بالنصوص .. أن الملائكة تكتب القول والفعل، وكذلك النية لأنها فعل قلب، فدخلت في عموم قوله تعالى: (يعلمون ماتفعلون) [الانفطار:12]  ا.هـ .

وقيل: إن الملائكة لا اطلاع لها على أعمال القلوب، ولكن إذا هم العبد بحسنة فاحت منه ريح طيبة، وإذا همَّ بسيئة فاحت منه ريح خبيثة روي هذا عن سفيان بن عيينة وغيره  .

ولنا أن نقول: إن الله تعالى يطلع ملائكته على هذه الأعمال بكيفية لا نعلمها، هو أعلم بها سبحانه، والأدلة على الأول صريحة وصحيحة. ولو قيل كيف تكتب الملائكة أعمال العباد في الحالات التي تفارق فيها العبد مثل حالة دخول الخلاء، وإفضاء الرجل إلى أهله، والاغتسال ..؟! فيقال "إنه ليس هنا المفارقة بالكلية بل يبعدون عنه حينئذ نوع بعد"  أو أن الله تعالى يطلعهم على الأعمال بنوع اطلاع لا نعلم كيفيته. والله أعلم.

وإن قيل هل تكتب الملائكة أعمال من عنده كلب أو صورة أو تدخل لقبض روحه وقد جاء في الحديث بعدم دخولها كما قال صلى الله عليه وسلم : "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة".

وأجيب على هذا بعدة أجوبة منها:

"إن الحديث محمول على أنهم لا يدخلون بيتاً فيه شيء من ذلك دخول إكرام لصاحبه ودعاء له وتبريك عليه، ولا يمنع ذلك من دخولهم لكتابة الأعمال وقبض الأرواح ومثل هذا غير مستنكر، فإن فساد صاحب المنزل يمنع من دخول صلحاء الناس منزلة مؤاخين له أو مترددين إليه، ولا يمنعهم من أن يدخلوه منكرين عليه ومغيرين أو مطالبين له بحق لزمه .." .

"قال الخطابي: المراد بالملائكة: الذين ينزلون بالرحمة والبركة لا الحفظة فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب" ا.هـ.

وقال ابن الأثيررحمه الله – : "أراد الملائكة السياحين، غير الحفظة والحاضرين عند الموت" ا.هـ

وقال الإمام النوويرحمه الله – :

"وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه كلب ولا صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة، والتبريك، والاستغفار، وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بني آدم في كل حال لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها" ا.هـ  .

وأقوال الأئمة السابقة متقاربة، ويكادون يتفقون على أن المراد دخول التكريم والتشريف، وهذا الذي دلت عليه الأدلة.

الرابعة: تبشير المؤمنين:

كما جاء في قولـه تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ{63} لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{64}) [يونس:63-64].

هذا والله أعلىوأعلم

ـ 

باحثة في الشريعة الاسلامية

****

طالعوا الصفحة الإجتماعية للصحيفة و اشتركوا فيها إن كنتم من ناصر ي الكلمة الحرة و العدل:

ـ لتحميل ملحق "الفيصلالشهري   عددد 6 وفق تطبيق البي دي آف  إضغط على الرابط التالي :

<a href="https://www.fichier-pdf.fr/2019/05/03/-------avril----2019/">Fichier PDF ملحق الفيصلالشهري  أفريل   Avril بي دي آف 2019.pdf</a>

Pour télécharger le supplément  mensuel de "elfaycal.com" numéro 6 en format PDF, cliquez sur ce lien

: https://www.facebook.com/khelfaoui2/

@elfaycalnews

instagram: journalelfaycal

ـ  أو تبرعوا لفائدة الصحيفة من أجل استمرارها من خلال موقعها

www.elfaycal.com

- Pour visiter notre page FB,et s'abonner si vous faites partie des défendeurs de la liberté d'expression et la justice  cliquez sur ce lien: : https://www.facebook.com/khelfaoui2/

To visit our FB page, and subscribe if you are one of the defendants of freedom of expression and justice click on this link:  https://www.facebook.com/khelfaoui2/

Ou vous faites  un don pour aider notre continuité en allant  sur le site : www.elfaycal.com

Or you donate to help our continuity by going to the site:www.elfaycal.com

ـ

آخر تعديل على الثلاثاء, 21 أيار 2019

وسائط

أعمدة الفيصل

حولنا

‫"‬ الفيصل‫"‬ ‫:‬ صحيفة دولية مزدوجة اللغة ‫(‬ عربي و فرنسي‫)‬ ‫..‬ وجودها معتمد على تفاعلكم  و تعاطيكم مع المشروع النبيل  في إطار حرية التعبير و تعميم المعلومة‫..‬ لمن يؤمن بمشروع راق و هادف ‫..‬ فنرحبُ بتبرعاتكم لمالية لتكبير و تحسين إمكانيات الصحيفة لتصبح منبرا له مكانته على الساحة الإعلامية‫.‬

‎لكل استفسارتكم و راسلوا الإدارة 

القائمة البريدية

إنضم إلى القائمة البريدية لتستقبل أحدث الأخبار

Faire un don

Vous pouvez aider votre journal et défendre la liberté d'expression, en faisant un don de libre choix: par cartes bancaires ou Paypal, en cliquant sur le lien de votre choix :